شكيب أرسلان
298
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
وعلم بأصول الزراعة ، وكانوا إذا خرجوا ماتت المزارع من بعدهم ، وحرم النصارى خيراتها الدارّة . فطالما منع ملوك النصارى خروج المدجنين بهذا السبب ، وكانوا إذا أراد بعضهم الخروج لا يسمحون لهم بأحذ أموالهم معهم ، وذلك حتى يبقوا في أرضهم فيعمروها ، ولكن بعد سقوط غرناطة ، وإكراه النصارى للمدجنين على ترك دينهم صار هؤلاء يثورون في الأحايين ، وتقع الوقائع ، وكانوا يستصرخون إخوانهم مسلمى المغرب الأقصى والأوسط ، وأتراك الجزائر ، فكانت ترد إليهم نجدات ، ويتسرّب سلاح ، ويقاتلون ويستبسلون . فرأى ملوك النصارى أخيرا أن لا نهاية لثورات هؤلاء وفي الآخر أحسّوا بأن المدجنين صاروا يستصرخون سلاطين آل عثمان ، وكانت الدولة العثمانية حينثذ في إبّان قوتها فخاف ملوك أسبانية من تعرّض الأسطول العثماني لسواحل أسبانية ، وإثارة المدجنين ، وإنزال عساكر تقاتل معهم . فأجمعوا طرد جميع المدجنين من جميع أسبانية ، وأنفذوا هذا القرار بالرغم من احتجاج الكثيرين من نبلاء الأسبانيول ، وأصحاب الأملاك فيهم ، ممن كانوا يقولون إن خروج المدجنين من البلاد سيجعلها خرابا وقد كان المدجنون عندما استولى النصارى على شمالي الأندلس وشرقيها ينزح منهم الكثيرون إلى مملكة غرناطة ، حتى إن هذه المملكة امتلأت بالسكان ، بسبب توارد المدجنين عليها من مرسية ، وبلنسية وجيّان ، وقرطبه ، وإشبيلية ، فضلا عمن كان قد سبق رحيله إلى الجنوب من مسلمى سرقسطة ، ولاردة ، ووشقة وتطيلة ، وقلعة أيوب ، وطليطلة ، ووادى الحجارة ، ومدينة سالم ومجريط ، وغيرها . فسلطان غرناطة عبد اللّه إسماعيل بن فرج ، يرجو في هذا الكتاب من الدون جقيمى ملك أراغون ، ألا يضيّق على المسلمين الذين في مملكته في منعهم من الهجرة منها فهذا ما عندنا في قضية تاريخ المدجنين واشتقاق اسمهم ، ولا نرى شيئا من التعارض بين قول السلطان « المدجنين » وقوله « الساكنين » لأن اسم المدجنين صار أشبه باسم علم يطلق على المسلمين الذين تحت حكم النصارى ، وصار يجوز وصفهم